ابن كثير
410
معجزات النبي ص
وسيأتي الحديث في صحيح مسلم عن أبي بن كعب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : إني سأقوم مقاما يوم القيامة يرغب إلى الخلق كلهم حتى أبوهم إبراهيم الخليل ، فدل على أنه أفضل إذ هو يحتاج إليه في ذلك المقام ، ودل على أن إبراهيم أفضل الخلق بعده ، ولو كان أحد أفضل من إبراهيم بعده لذكره . ثم قال أبو نعيم : فإن قيل : إن إبراهيم عليه السلام حجب عن نمروذ بحجب ثلاثة ، قيل : فقد كان كذلك وحجب محمد صلى اللّه عليه وسلم عمن أرادوه بخمسة حجب ، قال اللّه تعالى في أمره : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 9 ) « 1 » فهذه ثلاث ، ثم قال : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) « 2 » ثم قال : فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ( 8 ) « 3 » فهذه خمس حجب . وقد ذكر مثله سواء الفقيه أبو محمد بن حامد ، وما أدرى أيهما أخذ من الآخر واللّه أعلم ، وهذا الّذي قاله غريب ، والحجب التي ذكرها لإبراهيم عليه السلام لا أدرى ما هي ، كيف وقد ألقاه في النار التي نجاه اللّه منها ، وأما ما ذكره من الحجب التي استدل عليها بهذه الآيات ، فقد قيل : إنها جميعها معنوية لا حسية ، بمعنى أنهم مصرفون عن الحق ، لا يصل إليهم ، ولا يخلص إلى قلوبهم ، كما قال تعالى : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ « 4 » وقد حررنا ذلك في التفسير .
--> ( 1 ) سورة يس ، الآية : 9 . ( 2 ) سورة الإسراء ، الآية : 45 . ( 3 ) سورة يس ، الآية : 8 . ( 4 ) سورة فصلت ، الآية : 5 .